مش هأسكت قال بعزيمة بس الموضوع مش بسيط. أمي رفضت التفاهم، وبدأت تجمع الأقارب وتقول إني عايز أخذ الفلوس وأسيبها، وإنكِ أثرتي عليّ وخلتيني أجحدها. والناس اللي بيكرهونا صدقوها وبدأوا يكتبوا ويقولوا كلام كتير. وأنا خايف خايف الأمور تصل للمحاكم، وتتوسع الخلافات، وتتعكّر الدنيا كلها.
وحق بنتي؟ سألته بنبرة حزينة لما تكبر بنتي وتسألني يا ماما، ليه جدتي حرمتني من حقي؟، أقولها إنا سكتنا وعفونا عشان رأس أهلنا؟ وهل هي هتقبل الكلام ده؟
سكت جوزي، ونظر إلى الأرض بوجع. عرفت حينها إنه بين نــ,,ـــــارين نــ,,ـــــار حبه واحترامه لأمه، ونــ,,ـــــار عدالته ودفاعه عن حقه وحق بنتي.
وكل ما كان يميل لجهة، كانت الأخرى تسحبه بقوة.
وفي خضم كل ده، كنت ألاحظ شيئًا جديدًا. حماتي لم تكتفِ بذلك، بل بدأت تزرع الشك بيني وبين جوزي. كانت ترسل لي رسائل غريبة، وتخبرني بأشياء مختلقة عنه، وتخبره بأشياء مختلقة عني. وحين لم تجدِ ذلك نفعًا، بدأت تروج بين الجيران والأقارب أنني امرأة طامعة جئت لأخذ كل شيء، وأنني سأدمر بيتهم وأفرق شملهم.
كانت الأيام تمر كأنها سنوات. كل يوم يأتي بجديد، وكل يوم أجد نفسي في مواجهة كلام مؤلم ومواقف صعبة. لكنني كنت أنظر إلى بنتي نائمة بسلام، وأجد في نظراتها القوة لأستمر.
كنت أقول لنفسي أنا لازم أكون قوية عشانها. لازم أثبت لها إن قيمتها مش بتصغر لأنها بنت. لازم أثبت للكل إن العدل هو ما أمر به الدين والدنيا، وإن الولد والبنت عند ربنا سواء.
الفصل الخامس المواجهة الكبرى والعدالة التي طال انتظارها
بعد ثلاثة أشهر من الصراع المرير، قرر جوزي أن يجمع كل الأقارب في منزل أمه، ليكون الفصل الأخير. جهز كل الأوراق والوثائق، واتصل بكل من لهم شأن، وقال لهم تعالوا نسمع الكلام من الطرفين، ونرى من المظلوم ومن الظالم.
جاء اليوم الموعود. امتلأ المنزل بالحضور، والكل يعرف أن الجو مشحون، وأن قرارًا هامًا سيتخذ اليوم.
جلستُ في جانب، وبنتي في حجري، تنظر ببراءة حولها، ولا تعلم أن كل هؤلاء يتنازعون من أجلها ومن أجل حقها.
بدأت حماتي الكلام، روت روايتها المختلقة، زعمت أن ابنها تغير بسبب زوجته، وأنني أطمع في أموالهم وأراضيهم، وأنها تحاول الحفاظ على ممتلكات العائلة لمن يستحقها. تحدثت بثقة وصرامة، واستخدمت كل الكلمات التي تلمس مشاعر الناس، وكررت مقولتها القديمة الولد أولى، وهو الذي يحمل اسم العائلة.
عندما انتهت، ساد صمت. حينها قام جوزي، وتناول الأوراق بيده، ونظر إلى الجميع ثم قال بصوت ثابت يسمعه كل من في الغرفة
أنا لا أتكلم عن أموالي فقط بل أتكلم عن مبدأ!
أبي رحمه الله كتب في وصيته أن للبنت مثل نصيب الولد. أمر الله في كتابه الكريم يقول ﴿وَيُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾. فمن أين جئتم بقولكم الولد أولى بكل شيء؟
توقف لحظة ثم أضاف
أمي تقول إنني تغيرت بسبب زوجتي. الحقيقة هي أنني فتحت عينيّ على الحقيقة بفضلها. لولا ما حدث يوم العقيقة، لظللت أصدق أن كل ما تفعله أمي صواب. لكن الورقة التي كتبتها بيدها، وأخذ الهدايا من بنتي ووهبتها لابن غيرها كل ذلك أوضح لي أن هناك خطأ كبيرًا نمارسه باسم العادات والتقاليد.
ثم أخرج ورقة الوصية، وقرأها بصوت عالٍ أمام الجميع، ثم أوراق بيع الأرض، ثم التوكيل الذي خدعتني به. وكلما قرأ ورقة، ازدادت وجوه الحضور تعجبًا، وازدادت نظراتهم تغيرًا نحو حماتي.
هذه بنتي قال وهو يشير إليّ وإلى بنتي هل تقل قيمتها عن أي ولد في هذه العائلة؟ هل هي لا تستحق أن تحيا حياة كريمة؟ هل ذنبها الوحيد أنها أنثى؟ هل هذا عدل؟ هل هذا ما أمر به ديننا؟
سكت الجميع. لم يجد أحد كلامًا يقوله. وصية الأب واضحة، وأوامر الدين واضحة، والواقع أمام أعينهم لا يمكن إنكاره.
حينها تكلم أحد كبار العائلة، رجل يُحترم لرأيه وورعه، وقال بصوت هادئ
الولد والبنت عند ربنا سواء في القيمة. العدل أن نعطي كل ذي حق حقه. الوصية يجب أن تُنفذ، والأموال التي أُخذت يجب أن تُعاد. وما حدث بشأن الهدايا فهو خطأ بيّن لا يقبله شرع ولا عرف.
تكلم آخرون مؤيدين. لم يبقَ في صف حماتي أحد. انهارت حجتها، وبدت صغيرة جدًا وهي تقف وحيدة أمام الجميع. نظرت إليّ نظرة طويلة، لا أعرف ما الذي كان يملأها هل كانت كرهًا؟ أم بداية شعور بالندم؟ لم أدري.
بعد أسبوع، وبعد ضغط من العائلة، أُعيد بيع الأرض وأُسترد ثمنها، وأُعطيت لابنها نصيبه وللبنت نصيبها كاملاً وفق الوصية. واعتذرت حماتي اعتذارًا باردًا، لم يكن يحمل الكثير من الندم، لكنه كان خطوة على الطريق.
الفصل السادس الزمن يغير ولا يغير، والحق يبقى حقًا
مرت السنوات، وكبرت بنتي. أصبحت فتاة ذكية، قوية الشخصية، تعرف قيمتها جيدًا. لم تخبرها يومًا بتفاصيل ما حدث، لكنها كانت تشعر بكل تأكيد أن جدتها لا تنظر إليها بنظرة الحب التي تنظر بها إلى غيرها.
لكن شيئًا فشيئًا، بدأت نظرات حماتي تتغير.
رأت بنتي وهي تتفوق في دراستها، وتكون بارّة بوالديها، وتحفظ القرآن وتتعلم وتتقن كل ما تفعله. ورأت ابن ضرتي وهو يكبر في بيئة التدليل الزائد، لا يبالي بشيء، لا يدرس ولا يعمل، ينتظر أن تأتيه الأموال والأملاك من دون جهد.
وفي يوم من الأيام، ونحن نجلس معًا، قالت حماتي بصوت خافت ونظراتها تتبع بنتي وهي تلعب في الحديقة
لو كان كل تفكيري صحيحًا لكان ابني الآخر هو الأفضل. لكن الحقيقة أنا كنت غلطانة. الغلط كله كان فيّ.
نظرت إليها بدهشة. واصلت كلامها وكأنها تحدث نفسها
ظننت أن الولد وحده يبقى ويحمل الاسم.
ونسيت أن الاسم يحمله من يستحقه، ذكرًا كان أم أنثى. وهذه حفيدتي إنها لتستحق كل ما في الدنيا. وأنا حرمتها من حقها سنوات، ظنًا مني أنني أحسن صنعاً.
بكت حينها، واقتربت مني وقالت
سامحيني يا بنتي سامحيني على ما فعلته. كنت جاهلة بأمري، أعمى قلبي التفكير القديم،
فظلــ,,ـــــمتكم ظلــ,,ـــــمًا بينًا.
دمعت عيناي. قلت لها وأنا أمسك بيدها
سامحكِ الله يا ماما. ما مضى قد مضى. المهم أننا تعلمنا أن العدل هو أساس كل شيء. وأن البنت نعمة كبيرة، لا تقل عن الولد بشيء.
منذ ذلك اليوم تغيرت الأمور تمامًا.
أصبحت حماتي تُحب بنتي وتُكرمها، وتقول في كل مناسبة هي التي ستكون سندنا وفخرنا. وتبدو نظراتها لابن ضرتي وكأنها تدرك الآن أن ما منحته إياه بلا استحقاق قد أفسده، وأن ما حرمته منه بنتي لم يقللها شيئًا بل زادها رفعة.
أما أنا، فقد تعلمت درسًا لن أنساه ما حييت. تعلمت أن الحق لا يضيع إذا طالبه أصحابه. وأن العدل هو ما أمر به الدين والفطرة، وليس ما ورثناه من عادات بالية. وأن قيمة الإنسان ليست بجنــ,,ـــــسه، ولا بماله، ولا بمنصبه وإنما بما يملأ قلبه من إيمان، وما يقدمه للناس من خير.
وكبرت بنتي وهي تعلم أن لها قيمة كبيرة، وأن حقها محفوظ لا يُؤخذ منها ولا يُنقص. وكبرت وهي تعلم أن الله سواها بكرم، وأن الناس قد يظلــ,,ـــــمون، لكن عدالة الله تسبق كل شيء.
وظلت الورقة التي كتبتها حماتي في يوم من الأيام، محفوظة في مكان ما ليس لكي تكون شاهدًا على ظلــ,,ـــــم مضى، بل لكي تكون درسًا يتكرر جيلًا بعد جيل
إن الولد والبنت سواء عند الله. وإن من يحكم على الناس بأجناسهم لا بأفعالهم، سيأتي اليوم الذي يكتشف فيه أنه كان مخطئًا وأن الحق سيعود لمستحقه مهما طال الزمن.
والحق، حين يظهر، تذهب كل العادات البالية أدراج الرياح، ولا يبقى إلا العدل والعدل هو ما بقى.