وخصوصًا إن الكلام ده مكتوب بخط إيدها! يعني ده تفكير قديم ومترسخ، مش موقف لحظة! ليه بنتنا تضيع حقها عشان ولد؟
الحضور انقسموا، ناس تكلمنا بصراحة في وجه حماتي، وناس سكتت بس نظراتهم كانت بتقول كل حاجة. حماتي شافت إنها وقفت وحيدة، فبدأت تغير نبرتها، رفعت إيدها عشان تهدئ الوضع وقالت
يا جماعة الخير ما تكبروا الموضوع كل اللي حصل إني كنت فاكرة إن الولد محتاج أكتر وكنت عايزة أحافظ على الحاجات لحد ما يكبروا ما كانش قصدي أخذ حق حد
لا، كان قصدي بالظبط مكتوب في الورقة دي!
كلمتها أنا بصوت ضعيف لكن وصل لكل واحد هناك كتبتي إن الولد أولى بكل حاجة، لأنه هيشيل اسم العيلة! يعني بنتي ما لاشي اسم، ولا لاشي حق، ولا لاشي قيمة عندك؟ من أول يوم وأنا بشوف الحاجات تختفي، وأسكت عشان خاطرك وعشان خاطر جوزي، قلت يمكن غصب عنها، يمكن ما تعرفش! لكن الورقة دي أثبتت إن كل حاجة كانت بترتبيها عمدًا!
نظرت لي حماتي بحدة، كأنها بتعاتبني إني اتكلمت، لكن ما لقيتش حد يقف في صفها. حتى ضرتي اللي كانت مستفادة من كل حاجة، ما قدرتش ترفع راسها وتدافع عن نفسها.
جوزي خد الورقة والكرتونة، وقرب مني، وبصوت دافئ مليان ذنب قال لي
تعالي يا سارة نروح بيتنا. كل حاجة هتتصلح. أنا آسف آسف إني سمحت لشيء زي ده يصير وأنا موجود.
سندني بيده، وخرجنا من بيت أمه، وورانا نظرات العيلة اللي ما كانتش تخلص. وطول الطريق ما تكلمناش كلام كثير، بس يده كانت تمسك يدي بضغط كأنه بيقول لي أنا معاكي، ما تقلقيش.
الفصل الثاني بداية المعاناة واختبار الصبر
لما وصلنا لبيتنا، جوزي راح فتح الكرتونة، وبدأ يفرغ الهدايا قدامي واحدة واحدة.
كل حاجة لما شفتها، تذكرت مين اللي جابها، وكل كروت الإهداء كانت موجودة ومكتوب عليها لأميرتنا الصغيرة، لأجمل مولودة، هدية لبنت الغاليين. والدموع تزيد وتزيد، لأن كل حاجة كانت متسخة بالمعنى النفسي، لأن حد تاني استخدمها واعتبرها حق له.
كل حاجة هتبقى عندك من اليوم قال لي وهو بيقعد جنبي وأنا هحط قفل عشان ما حدش يقدر يدخل وياخد حاجة تانية. وعد
مني مش هسمح لأحد يضيع حق بنتي ولا حتي قرش واحد.
وأمك؟ سألته وأنا بصوتي مهتز هتعمل إيه معاها؟ هي مش هتسكت بسهولة، وأنا عارفة إنها بتكرهني من يوم ما عرفت إني حامل ببنت.
تنهد جوزي ومد يده يمسح دموعي
أمي غلطانة وغلطها كبير. بس هي تربت على أفكار قديمة، بتعتقد إن الولد بس اللي له قيمة. ده مش مبرر للي عملته، بس ده السبب. أنا هكلمها، وهفهمها إن الغلط اللي عملته مش يتكرر تاني. ولو تكرر أنا هتصرف.
ما كنتش مقتنعة تمامًا، لكني سكت. كنت عايزة أصدقه، كنت عايزة أصدق إنه هيقف في صفنا من اليوم. لكن الأيام أثبتت إن المشكلة مش بس في الورقة، المشكلة في جذور عميقة ما تتقطعش بسهولة.
بعد يومين، حماتي جت تزورنا. دخلت البيت وهي مكسوفة شوية، بس نظراتها لبنتي كانت غريبة، ما فيها دفء أبدًا.
قعدت شوية، وكل كلامها كان عن ضرتي وابنها بقى يضحك كتير، كبر بسرعة، عقبال ما يشيل اسم العيلة ويفتح بيوت.
سكتّ ومش رديت عليها. لما قامت تخرج، وقفت قدامي وقالت بصوت خفيف
أنا آسفة عشان اللي حصل بس صدقيني، لما تكبري وتفهمي الدنيا، هتعرفي إن الولد فعلاً أولى. البنت حلاوة يومين وتروح، والولد هو اللي يبقى.
قلت لها بكل هدوء
يا ماما بنتي مش حلاوة يومين. دي روحي وقلبي. وربنا اللي رزقني بيها، وهو اللي يكتب لها الخير. ولو كان الخير في الولد، كان رزقني بيه. فليه نعترض على حكم ربنا؟
اتلخبطت حماتي، وما عرفتش ترد، فخرجت من البيت بسرعة. وعرفت في اللحظة دي إن الصراع ده لسه في أوله.
الأيام مرت، وبنتي كبرت شوية، وكل يوم بتبدو أجمل من اللي قبله. كنت بشوفها وأنسى كل الوجع، وكنت أقول لنفسي كفاية إنها معايا، وكفاية إنها سالمة. لكن حماتي ما توقفتش عن محاولاتها الخفية. كل ما جت تزور، كانت تحاول تقلل من شأن بنتي، تقارنها بابن ضرتي، تقول الولد أسرع في المشي، الولد أقوى بنية، البنت هتبقى دلوعة ومش هتفيدك في حاجة.
جوزي كان بيسمع، وكل مرة كان يرد عليها بصرامة أكبر
يا ماما، كفاية كلام كده!
بنتي تمام وممتازة، وكل طفل ليه طبيعته. وإن شاء الله تكبروا وتشوفوا منها كل خير. ما تقارنوش بينها وبين حد، لأنها بنت، ولها قيمتها وحقوقها زي الولد بالظبط.
لكن حماتي كانت بتغضب من كلامه، وتخرج زعلانة، وتحكي لضرتي وللباقين إني أثرت على قلب ابنها وخلته يصير ضدها. وبدأت الضغوط تزيد من كل جهة، أهل العيلة اللي بيوافقونها على رأيها كانوا بيتكلّموا ورايا، يقولوا كلام يجرح ما لهاش حظ عند الحماة، كان لازم تجيب ولد عشان تثبت قيمتها، البنت ما تبنى بيت.
كنت أروح لجوزي وأنا تعبانة من الكلام، وأبكي، وهو كان بيحــ,,ـــــضني ويقول لي
خلي كلامهم يروح مع الهواء. أنا اللي عايش معاكي، وأنا اللي شايف قيمتك وقيمة بنتي. ربنا اللي رزقنا بيها، وهو اللي يحفظها. وكل اللي بيقولوا كده، هتثبت لهم إن بنتي أحسن وأكرم من كل الأولاد.
وكان كلامه بلسمًا لقلبي، بس كنت خايفة. خايفة من الأيام الجاية، خايفة من إن الأفكار دي تترسخ في عقله هو كمان يومًا ما.
الفصل الثالث الخلافات تتفاقم والأسرار تظهر
بعد شهرين، حصل موقف خلّى كل حاجة تتفاقم أكتر.
كنت محتاجة أذهب لزيارة طبيب لبنتي، وطلبت من جوزي ياخدني، فقال لي إنه مشغول وأنه سيطلب من أمه تيجي معايا. رفضت في البداية، بس هو أصر وقال لي إنها هتتغير وإن الفرصة كويسة لنتقارب.
وافقت على مضض. جت حماتي معايا، وطول الطريق ما تكلمتش. ولما رجعنا، كنت تعبانة فطلبت منها تساعدني شوية في ترتيب البيت، ففوجئت بيها ترد بصوت عالي
أنا جاية معاكي عشان خاطر ابني، مش عشان أكون خدامة عندك! وأنتِ لسه ما عملتيش حساب للي عملتيه فيا يوم العقيقة! كشفتيني قدام الكل وخلّتيني أبدو وكأني غدارة!
أنا ما كشفتش حاجة رديت عليها بكل هدوء أنتِ اللي كتبتي الورقة بنفسك! وأنتِ اللي أخذتي الهدايا وديتهالابن ضرتي! لو كنتِ عملتي حاجة صحيحة، ما كنتش خفتي لما ظهرت الحقيقة!
أنا عملت كده لمصلحة العيلة! صرخت في وشي الولد لازم يبقى في أحسن حال! وأنتِ جيتي أنتِ وبنتك وتعكروا علينا الدنيا! ليتني ما وافقتش على زواجك من الأول! كنت جبتله واحدة تانية تجيب له ولد وتبقى شريفة!
أنا شريفة يا ماما! رديت عليها وأنا بترجف وأنا ما عملتلكش حاجة! ده رزق من عند ربنا، وهو اللي يكتب الولد والبنت! ليه تكرهيني عشان شيء مش بيدي؟
وليه تكره بنتي اللي ما ذنبها إلا إنها بنت؟
في اللحظة دي، جوزي دخل البيت وسمع الكلام. لقى أمه بتصرخ وأنا ببكي، فقرب بسرعة وقال بصوت مليان غضب
إيه اللي بيحصل هنا؟ بتعلي صوتها ليه يا سارة؟
لا، هي اللي بتكلمني كلام ما يُقال! قالت حماتي بسرعة وبدأت تختلق الأكاذيب جيت أساعدها وهي قالت لي كلام يقطع القلب! شتمتني وقالت لي إنني جاهلة وما أفهمش حاجة!
نظرت لجوزي بكل صدمة
ده كذب يا أحمد! أنا ما قلتلكش كلام زي ده! هي اللي قالت لي إنها تمنيت إنك اتجوزت غيري عشان تجيب ولد!
هي اللي بتكرهني وتكره بنتي من أول يوم!
نظر جوزي لأمه، ولما شاف نظراتها اللي ما تثبت عينيه، عرفت إنه بدأ يشك في كلامها. قال ببطء
يا ماما أرجوكي كفاية. أنا عارفة سارة كويس، وعارفة إنها مش من النوع اللي يشتم أو يسيب. وكل ما شفته وسمعته بيقول لي إنها صادقة. أرجوكي إذا عندك حاجة تقوليها، تقوليها باحترام. وإلا أرجوكي تروحي بيتك ونبقى نكلمك بعدين.
حماتي اتغضبت أشد الغضب لما شافت ابنها مش في صفها، فقامت وقفت وقالت بصرخة
عظيم! بقيت تفضلها عليّ! أنا ربيتك وتعبت عليك، وفي النهاية ترد الجميل بإنك توقف في صفها ضدي؟!
حسنًا سترى يا بني سترى هل هي بتبقى معاك لما تضيع منك كل حاجة!
وخرجت من البيت مسرعة، وصوت الباب اللي قفلته بقوة ردّ في كل البيت.
قعد جوزي جنبي وحــ,,ـــــضني وأنا أبكي، وقال لي بصوت حزين
آسف يا سارة آسف إني سمحت لها تيجي معاكي من غير ما أكون موجود. بس صدقيني أنا معاكي. ولو استمرت على الحال دي سأضطر أتخذ قرار صعب.
ما كنتش أعرف في ذلك الوقت إن كلامها كان يحمل أكثر مما ظهر. إن تهديدها ده كان بداية لمخططات أعمق وأخطر، بدأت تتكشف شيئًا فشيئًا.
الفصل الرابع سر الميراث والخداع الكبير
مرت أسابيع وحالة الهدوء الحذر تسود، لكنني كنت حاسة إن شيء غريب بيحصل. جوزي كان مشغول جدًا، وأحيانًا بيجي متأخرًا وعليه ملامح حزن وقلق، ولما أسأله بيقول لي مش في حاجة، بس شغل.
لحد ما يومًا جاء البيت وهو شاحب اللون، قعد قدامي ومد لي ورقة. لقيتها إشعار بخصوص ميراث أبيه اللي توفي قبل سنوات. قلت له بقلق
إيه ده؟ في مشكلة في الميراث؟
المشكلة كبيرة يا سارة قال بصوت ثقيل أبي تركنصيبًا من الأرض والنقود لنا جميعًا. وكان كاتب في وصيته إن نصيب البنت يساوي نصيب الولد تمامًا.
وأمي عملت توكيلًا مني في فترة كنت مشغول فيها بالعمل، وقالت لي إنه عشان ترتب الأوراق. واتضح إنها باعت جزءًا من الأرض، واخدت الفلوس كلها، وودّتها لابن ضرتي بحجة إنه اللي يستاهل يملك أملاك العيلة.
قلبي اتقبــ,,ـــــض. قلت له بصوت مرتجف
وأنتِ وقّعت على التوكيل من غير ما تقرأ؟
كانت أمي يا سارة! صرخ بمرارة كنت أصدقها! ما توقعتش إنها تقدر تخدعني بهالطريقة! لما واجهتها قالت لي الولد أولى بالأملاك، والأرض لازم تفضل باسم العيلة. ورفضت ترجع الفلوس أو تعترف بغلطها!
دموعي نزلت وأنا أسمع الكلام.
ده كان أكبر دليل على إن ما عملته مع بنتي ما كانش موقف فردي، ده كان جزء من فكر راسخ عندها، بتبذل كل جهدها عشان تطبقه، حتى لو وصل الأمر لخداع ابنها وسرقة حق بناتها وأولادها.
والعمل إيه دلوقتي؟ سألته وأنا بمسح دموعي هتسكت عن حقك وحق بناتك؟
