حماتي أول ما عرفت إني قدمت ولادي في مدرسة خاصة، قالت لجوزي الفلوس دي أولى بولاد أختك… هما محتاجينها أكتر…. افتكرتها كلمة وخلاص، لحد الأسبوع اللي دخلت بيتي ومعاها ظرف أبيض، وقالتلي وقعي هنا… ومستقبل ولادك مش هيتأثر. لكن أول ما فتحت الظرف، حسيت إن نفسي اتقطع.
أنا اسمي دينا، ومتجوزة عمرو بقالي سبع سنين.
أنا وعمرو بقالنا سنين بنحوش عشان ندخل ولادنا مدرسة خاصة.
حرمنا نفسنا من حاجات كتير، وكل جنيه كان ليه مكان.
يوم ما جالنا قبول المدرسة، حسيت إن تعب السنين أخيرًا جاب نتيجة.
لكن حماتي كان ليها رأي تاني.
قالت
كل الفلوس دي عشان عيلين؟
وبعدين بصت لعمرو وقالت
ولاد أختك أولى… أبوهم مش قادر، وإنت لازم تقف جنبهم.
من ساعتها وهي كل يوم تفتح نفس الموضوع.
مرة بالنصيحة.
ومرة بالزعل.
ومرة تقول
المدارس الحكومية خرجت ناس أحسن من الخاصة.
لكن الغريب…
إنها كانت كل ما تتكلم عن التوفير، تبص لأخت جوزي وتبتسم.
ساعتها فهمت إن الفلوس ليها طريق تاني.
فضلت ساكتة…
لحد ما بعد أسبوع، جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت حماتي وأخت جوزي واقفين.
وفي إيد حماتي ظرف أبيض.
ناولتهولي وقالت بثقة
اقريه… وبعدين وقعي.
فتحت أول صفحة…
وقبل ما أوصل لنصها، إيدي بدأت تترعش.
رفعت عيني عليها، وقلت
إنتِ كنتِ مخططة لكل ده من إمتى؟
ابتسمت وقالت
ابتسمت وقالت
من قبل ما إنتِ حتى تفكري تقدميهم.
بصيت لها وأنا مش فاهمة.
قلت
يعني إيه؟
قالت وهي بتزق الظرف ناحيتي
كملي
قراية… هتفهمي.
نزلت بعيني على باقي الورق…
ولقيت خطاب من مكتب محاماة.
وفيه طلب مكتوب بالتفصيل إن عمرو يسحب كل المبلغ اللي متحوش لتعليم الولاد، ويتحول لحساب تاني باسم أخته، باعتباره دين عائلي واجب السداد.
واللي خلاني أحس إن الدنيا اسودت في وشي…
إن آخر صفحة كان فيها توقيع عمرو بالفعل.
رفعت عيني عليه، ولساني تقيل.
قلت
إنت مضيت؟
عمرو اتردد، وبعدها قال
مضيت على طلب تجهيز الورق… أمي قالتلي مش هيتم أي حاجة إلا بموافقتنا إحنا الاتنين.
حماتي ابتسمت وقالت بثقة
وأهو موافقتك ناقصة… إمضي، ونخلص.
قفلت الملف بهدوء.
وبصيت لها وأنا لأول مرة أحس إن اللي قدامي مش مجرد خلاف عائلي…
دي حرب على مستقبل ولادي.
وقلت كلمة واحدة
لا.
ساعتها… ابتسامتها اختفت، وقالت وهي بتبص لابنها
يبقى خلي مراتك تستحمل اللي هيحصل بعد كده.
قالتها حماتي وهي سحبت الظرف من على الترابيزة بعصبية، كأنها متأكدة إن اللي هيحصل بعد كده هيخليني أرجع أجري وراها أطلب منها السماح.
أنا فضلت باصة في وشها من غير ما أرد.
كنت مستنية عمرو يتكلم.
أي كلمة…
أي اعتراض…
أي محاولة يوقف اللي بيحصل.
لكن عمرو فضل ساكت.
أول مرة أحس إن سكوته بيوجع أكتر من أي كلام.
حماتي شدت إيد بنتها وقالت
يلا يا سحر… واضح إن في ناس نسيت إن العيلة وقت الشدة بتقف جنب بعض.
خرجوا.
واتقفل الباب.
فضلت واقفة مكاني كام ثانية.
بعدها بصيت لعمرو وقلت بهدوء غريب
إنت كنت عارف إنهم جايين بالورق
ده؟
هز راسه من غير ما يبصلي.
أيوه.
الكلمة نزلت على قلبي زي الحجر.
وعرفت إمتى؟
من تلات أيام.
وسبتهم ييجوا يطلبوا مني أوقع؟
قال بسرعة
كنت فاكر إنك هتسمعي الأول… أمي قالت إن ده مجرد قرض.
ضحكت ضحكة قصيرة.
قرض؟
ورفعت الورقة قدامه.
إقرا آخر سطر.
مسكها.
وبدأ يقرا.
وفجأة وشه اتغير.
رجع يقلب الورق من أوله.
مرة…
واتنين…
وتلاتة.
وقال
دي مش الورقة اللي أمي وريتهالي.
قلت وأنا ببصله
يعني إيه؟
قال وهو متوتر
النسخة اللي شوفتها كانت بتتكلم عن استلاف جزء من الفلوس… لكن دي مكتوب فيها تحويل المبلغ كله.
سكت شوية.
وبعدين قال
والله العظيم أول مرة أشوف الصيغة دي.
مكنتش عارفة أصدقه ولا أكذبه.
بس اللي كنت متأكدة منه…
إن في حد بيلعب بينا.
قعدت على الكنبة.
وبصيت على صورة ولادنا المعلقة قدامي.
آدم…
ولين.
الاتنين كانوا بيعدوا الأيام مستنيين أول يوم مدرسة.
آدم كان كل يوم يلبس الشنطة الجديدة قدام المراية.
ولين كانت تنام وهي حاضنة الزي المدرسي.
وأنا…
كنت هقولهم إيه لو الحلم ده راح؟
قطع تفكيري صوت عمرو.
أنا هروح لأمي دلوقتي.
قلت
ليه؟
عشان أفهم.
لا.
استغرب.
ليه؟
لأنها هتعرف تضحك عليك تاني.
سكت.
أول مرة يوافقني من غير جدال.
عدى يوم كامل من غير ما حد يكلمنا.
تاني يوم الصبح…
كنت بجهز الفطار.
تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت.
حضرتك مدام دينا؟
أيوه.
أنا من مدرسة الرواد.
ابتسمت تلقائي.
افتكرتهم بيأكدوا ميعاد استلام الكتب.
لكن الموظفة قالت
إحنا
محتاجين نتأكد من حضرتك… هل فعلًا حضرتك طلبتي مهلة أسبوع قبل سداد القسط الأول؟
وقفت مكاني.
أنا؟
أيوه… في راجل اتصل بينا امبارح وقال إنه زوج حضرتك، وطلب تأجيل السداد.
بصيت ناحية عمرو.
كان واقف قدامي.
هز راسه بسرعة.
أنا ماكلمتش حد.
قلبي بدأ يدق بعنف.
قلت للموظفة
حضرتك… مين اللي كلمكم؟
قالت
للأسف مقدرش أقول بياناته… لكن كان معاه كل بيانات الملف، ورقم طلب التقديم، وأرقام بطاقاتكم.
قفلت المكالمة.
أنا وعمرو بصينا لبعض.
في نفس اللحظة.
لأن في سؤال واحد كان بيلف في دماغنا…
مين الشخص الوحيد اللي كان يعرف كل تفاصيل ملف ولادنا؟
وفجأة…
عمرو حط إيده على راسه وقال بصوت مخنوق
يا نهار أبيض…
بصيتله.
قال
الملف… كان عند أمي يوم ما طلبت مني أصوره عشان تقول إنها هتراجع الورق قبل ما نروح المدرسة.
اتجمد الدم في عروقي.
وقبل ما أتكلم…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت ساعي واقف.
ناولني ظرف جديد.
وقال
التوقيع هنا يا فندم… ده جواب مسجل باسم حضرتك.
بصيت على المرسل…
ولما قريت الاسم…
إيدي بدأت ترتعش من جديد… لأن الظرف كان جاي من مكتب محاماة.
فضلت باصة لاسم مكتب المحاماة كذا ثانية.
إيدي كانت بترتعش.
عمرو قرب مني وقال
افتحيه.
دخلنا وقفلنا الباب.
فتحت الظرف بهدوء، وسحبت الورق اللي جواه.
أول سطر خلاني أحس إن الأرض بتميد بيا.
إنذار رسمي قبل اتخاذ الإجراءات القانونية.
قلبي دق بسرعة.
بدأت أكمل.
الإنذار بيقول إن عمرو مدين لأخته
سحر بمبلغ كبير، وإنه سبق واتفق معاها إنه يسدده خلال شهر، ولو اتأخر، هيبقى من حقها تتخذ إجراءات قانونية لتحصيله.
رفعت عيني بسرعة.
إيه ده؟
عمرو خ.طف الورقة من إيدي.
كل ما
يقرا سطر، وشه كان بيصفر أكتر.
وفجأة قال بعصبية
الكلام ده كدب.
قلت وأنا ببصله
يعني إيه كدب؟
قال
أنا عمري ما استلفت من سحر جنيه.
قلب آخر صفحة…
ولقى نسخة من إيصال أمانة.
تحتها توقيع.
التوقيع شبه توقيعه جدًا.
لكن أول ما دقق فيه قال
ده مزور.
أنا سكت.
لأن التوقيع فعلًا كان شبه توقيعه لدرجة أي حد هيصدق إنه حقيقي.
قعد على الكنبة وهو حاطط إيده على دماغه.
أنا مش فاهم.
قلت بهدوء
مين يقدر يعمل حاجة زي دي؟
بصلي…
وبعدين نزل عينه في الأرض.
كان واضح إنه بيفكر في نفس الشخص اللي أنا بفكر فيه.
لكن كان رافض ينطق اسمها.
بعد نص ساعة…
تليفونه رن.
كانت أمه.
رد.
أول ما سمع صوتها، فتح السماعة.
قالت
قريتوا الورق؟
قال
إيه اللي إنتِ عملتيه ده؟
ردت بمنتهى البرود
أنا معملتش حاجة.
يعني الإنذار ده جه منين؟
من حق بنتي تحافظ على حقها.
وقف عمرو مرة واحدة.
حقها في إيه؟
قالت
الفلوس اللي وعدتها بيها.
صرخ
أنا ما وعدتش حد بحاجة.
ردت وهي بتضحك ضحكة خفيفة
إنت يمكن نسيت… بس الورق مابينساش.
وقف مكانه مصدوم.
وأنا حسيت إن في حاجة مستخبية عنه.
حاجة هو نفسه مش فاكرها.
بعد ما قفل، قلت
في حاجة مش قايلهالي؟
هز راسه بسرعة.
لا.
فكر كويس.
سكت شوية.
وبعدين قال
فاكرة من سنتين لما كنت بخلص ورق العربية؟
أيوه.
أمي قالتلي وقتها تمضي على كام ورقة عشان تساعد سحر تاخد قرض صغير من الجمعية.
قلبي وقع.
ومقريتش الورق؟
بصلي بخجل.
كانت أمي.
الكلمة دي كانت كفاية.
كانت أمي.
الجملة اللي ناس كتير بتدفع
تمنها بعد سنين.
قلت
يعني ممكن تكون مضيت على ورقة هما استخدموها دلوقتي؟
عمرو بدأ يتنفس بسرعة.
ولأول مرة أشوفه خايف بالشكل ده.
وفجأة…
رن جرس الباب تاني.
فتحنا.
لقينا سحر واقفة لوحدها.
وفي إيدها ملف أسود.
ابتسمت وقالت
متقلقوش… أنا جاية أحل المشكلة.
دخلت من غير ما تستأذن.
قعدت على الكنبة.
فتحت الملف.
وطلعت أكتر من عشر ورقات.
وحطتهم قدام عمرو.
وقالت
اختار.
