وفجأة…
صدر صوت من هاتفه.
رسالة جديدة.
فتحها.
صورة.
نور واقفة أمام باب البيت القديم.
وفي الصورة كانت تحمل ورقة بيدها.
وتحت الصورة رسالة قصيرة
تعالى لوحدك… وإلا مش هتشوف نور تاني.
ياسين نظر إلى الرسالة، ثم إلى أخيه الذي اتصل به في نفس اللحظة.
رد.
جاء صوت كمال هادئًا
ياسين… أنا عرفت إن صوفيا ظهرت.
تجمد ياسين.
عرفت منين؟
صمت كمال لثوانٍ.
ثم قال
لأن الشخص اللي كان بيخبيها طول السنين… اتصل بيا من شوية ياسين حس إن الدم انسحب من وشه.
مين؟
كمال سكت ثواني، ثم قال
مش هقدر أقولك في التليفون.
كمال، أنا بسألك مين؟!
تعالى مكتبي… لو جيت لوحدك هفهمك كل حاجة.
ياسين قفل المكالمة، لكنه ما اتحركش.
كان فيه شيء في صوت أخوه لم يطمئنه.
بالعكس…
كان فيه خوف.
نظر ياسين إلى الست العجوز
إنتِ عارفة مين اتصل بيه؟
هزت رأسها
أيوه.
مين؟
قالت
الشخص اللي كان بيدفع مصاريف صوفيا للدار كل شهر.
ياسين اتجمد.
مين كان بيدفع؟
الست فتحت دفترًا قديمًا وأشارت إلى توقيعات التحويلات.
ياسين أخذ الدفتر.
كل شهر، لمدة خمس سنوات، كان فيه مبلغ ثابت يصل للدار.
والاسم المكتوب في خانة المرسل كان
كمال السيوفي.
لكن المفاجأة لم تكن هنا.
آخر تحويل كان منذ ثلاثة أيام فقط.
ياسين رفع عينه بصدمة
يعني كمال كان عارف إنها عايشة طول الوقت؟
الست لم تجب.
صوفيا فجأة شدت قميصه وقالت
بابا… عمو كمال مش وحش.
ياسين نظر لها بسرعة.
إنتِ تعرفي عمو كمال؟
البنت هزت رأسها.
كان بيجيلي.
إمتى؟
كل سنة في عيد ميلادي.
وكان بيقولك إيه؟
صوفيا بصت للأرض وقالت
كان بيقول لي إن بابا هييجي ياخدني لما الخطر يخلص.
ياسين شعر بقشعريرة.
وأمك؟
ماما كانت بتقول إن عمو كمال هو اللي حمانا.
الست العجوز شهقت.
مستحيل…
ياسين التفت إليها.
إيه؟
قالت بصوت منخفض
نور قالت لي نفس الكلام.
ثم أخرجت من الملف صورة قديمة.
كانت نور واقفة بجوار كمال أمام المستشفى بعد الحادث.
لكن التاريخ الموجود على الصورة جعل ياسين يتراجع خطوة.
الصورة اتصورت بعد الحادثة بيومين.
يعني كمال لم يكن يخفي الحقيقة وحده.
كان هناك شخص آخر…
نور نفسها كانت تعرف.
وقبل أن يستوعب ياسين الأمر، انطفأت أنوار دار الأيتام بالكامل.
صرخت إحدى الموظفات.
ثم سمع الجميع صوت باب حديدي يُغلق من الخارج.
أحد رجال الأمن جرى ناحية المدخل
الباب اتقفل علينا!
ياسين ضم صوفيا إليه.
وفي الظلام، ظهر ضوء هاتف صغير في آخر القاعة.
الست العجوز كانت تنظر إلى شاشة هاتفها.
وصلتها رسالة.
قرأتها، ثم بدأ وجهها ينهار من الخوف.
ياسين انتزع الهاتف منها.
كانت الرسالة من رقم مجهول
قوليله الحقيقة قبل ما يروح البيت القديم… لأن نور مش هناك لوحدها.
وتحت الرسالة صورة جديدة.
صورة لبيت ياسين القديم.
وفي نافذة الطابق الثاني…
كان يظهر ظل امرأة.
ياسين قرب الصورة من عينيه.
وفجأة همست صوفيا
دي ماما.
لكن قبل أن يتحرك أحد…
وصلتهم رسالة ثانية
ولو ياسين عايز نور ترجع له… لازم يعرف أولًا مين الشخص اللي نور كانت بتحاول تحميه ياسين فضل واقف في نص القاعة، وصوفيا ، وعينه ثابتة على الرسالة.
نور كانت بتحمي مين؟
السؤال خرج منه كأنه موجه للست العجوز، لكن الست كانت ساكتة وبتبص للباب.
فجأة قالت
الشخص ده هو السبب إن نور اختفت.
قولي اسمه.
مش هقدر.
هتقدري.
الست رفعت عينيها له وقالت
لأن لو قلت لك اسمه، مش هتثق في أي حد بعد النهارده.
وقبل ما ياسين يرد، رجعت الكهرباء.
القاعة كلها نورت مرة واحدة.
لكن…
صوفيا اختفت.
ياسين اتجمد.
صوفيا؟!
بدأ يدور في القاعة بجنون.
صوفيا!
رجال الأمن انتشروا في كل اتجاه.
الست العجوز صرخت
الحمام! المخزن! شوفوا كل الأبواب!
ياسين لمح بابًا صغيرًا في آخر الممر مفتوحًا.
جرى ناحيته.
على الأرض كانت هناك غويشة صوفيا.
رفعها بيد مرتعشة.
لا…
ثم سمع صوتًا ضعيفًا من خلفه
بابا…
استدار.
كانت صوفيا واقفة عند باب المخزن، لكن بجانبها رجل غريب.
الرجل لم يلمسها، فقط كان واقفًا بجوارها.
ياسين تقدم بحذر.
ابعد عنها.
الرجل رفع يديه وقال
أنا مش جاي أأذيها.
إنت مين؟
الرجل نظر إلى صوفيا، ثم قال
أنا الشخص اللي نور طلبت منه يحمي بنتها لو حصل لها حاجة.
ياسين شعر بأنفاسه تضيق.
نور عايشة؟
الرجل سكت.
جاوبني!
قال أخيرًا
أيوه.
ياسين لم يصدق أذنيه.
لكن قبل أن يقترب منه، أخرج الرجل هاتفًا وشغل تسجيلًا صوتيًا.
ظهر صوت نور.
صوتها كان متعبًا… لكنه واضح.
ياسين، لو سمعت الرسالة دي، يبقى صوفيا وصلت لك.
ياسين أغمض عينيه.
صوت زوجته بعد ثماني سنوات…
كان كفيلًا بأن يهدم كل الحواجز التي بناها حول قلبه.
ثم أكملت نور
متروحش لأخويا كمال… ومتثقش في الشخص اللي هيقول لك إنه السبب في إنقاذي.
التسجيل توقف.
ياسين فتح عينيه ببطء.
الرجل أمامه قال
لازم تيجي معايا.
فين؟
للمكان اللي نور كانت مستخبية فيه.
وأنا ليه أثق فيك؟
الرجل ابتسم بحزن.
ثم أخرج من جيبه خاتم زواج نور.
الخاتم الذي كان ياسين بنفسه قد وضعه داخل صندوق ذكرياتها بعد إعلان وفاتها.
وقال
لأن نور قالت لي إنك لو شكيت فيا… أقولك الجملة اللي كانت بينكم ليلة جوازكم.
ياسين اقترب منه.
الرجل همس بالجملة.
وفور ما سمعها ياسين…
تغير وجهه تمامًا.
لأن الجملة دي محدش في الدنيا يعرفها غيره ونور ياسين حس إن رجليه مش شايلينه.
الجملة اللي قالها الرجل كانت فعلًا سرًا بينه وبين نور، سرًا ما حكاهوش حتى لأخوه كمال.
بص للرجل وقال
إنت كنت معاها طول السنين دي؟
الرجل رد
مش طول السنين… لكن كنت آخر شخص شافها قبل ما تختفي.
اختفت فين؟
الرجل سكت لحظة، ثم قال
نور هي اللي اختارت تختفي.
ياسين انفجر
تختفي وتسيب بنتها؟! وتسيبني أعيش تمان سنين فاكرها ماتت؟!
صوفيا بدأت تبكي.
الرجل قال بسرعة
هي ماكانش عندها اختيار.
ثم أخرج ملفًا صغيرًا من حقيبته ووضعه أمام ياسين.
افتحه.
فتح ياسين الملف.
أول ورقة كانت عقدًا قديمًا من شركة ياسين.
ثاني ورقة كانت كشف حساب.
الثالثة…
كانت صورة لشخص يقف بجوار سيارة في ليلة الحادث.
ياسين قرب الصورة من عينه.
ده…
توقف.
الشخص الموجود في الصورة كان كمال.
لكن المفاجأة أن كمال لم يكن يقف وحده.
كان بجواره رجل آخر.
رجل يعرفه ياسين جيدًا.
مدير مكتبه القديم.
الرجل الذي اختفى من الشركة بعد الحادث بأسبوع.
ياسين رفع عينه
إيه علاقتهم ببعض؟
قال الرجل
دي أول حاجة نور اكتشفتها.
إيه اللي اكتشفته؟
إن الحادث ماكانش الهدف منه قـ,ـتل نور.
ياسين اتجمد.
أمال كان الهدف إيه؟
الرجل بص لصوفيا، ثم قال
كان الهدف إن نور تختفي… وتاخد معاها سر لو ظهر، كان هيوقع إمبراطورية كاملة.
ياسين سأل
سر إيه؟
الرجل فتح آخر صفحة.
كانت فيها ورقة مكتوبة بخط نور.
ياسين، لو وصلت للورقة دي، افتكر إن أخويا مش عدوك… لكنه مش بريء.
ياسين قرأها مرة ثانية.
ثم رفع رأسه
يعني كمال متورط؟
الرجل قال
أيوه.
ضدي؟
مش بالشكل اللي إنت فاكره.
وفجأة رن هاتف ياسين.
رقم مجهول.
رد.
جاءه صوت امرأة ضعيف جدًا
ياسين…
توقف قلبه.
الصوت كان مألوفًا.
صوت عاش معه سنوات.
صوت كان يسمعه في أحلامه كل ليلة.
نور؟!
جاء الرد همسًا
خد صوفيا… واهرب من الدار فورًا.
إنتِ فين؟!
مفيش وقت…
ثم سمع صوت ارتطام قوي.
وبعده صرخة قصيرة.
وانقطع الاتصال.
ياسين رفع رأسه للرجال
حد يقفل كل المخارج… محدش يخرج من هنا.
لكن في نفس اللحظة، الرجل الغريب قال
متأخر.
وأشار إلى شاشة المراقبة.
ظهر شخص يدخل من الباب الخلفي للدار.
ياسين اقترب من الشاشة.
وتجمد مكانه.
كان كمال.
لكن كمال لم يكن وحده.
كان معه نور ياسين قرب من شاشة المراقبة وهو مش قادر يصدق عينيه.
نور كانت واقفة جنب كمال، وشكلها مرهق، لكنها حية.
قال بصوت مخنوق
نور…
صوفيا أول ما شافت الشاشة صرخت
ماما!
وحاولت تجري ناحية الباب، لكن ياسين مسكها.
استني يا حبيبتي.
في اللحظة نفسها، ظهر كمال أمام كاميرا المراقبة، وكأنه عارف إن ياسين بيتفرج عليه.
رفع إيده ببطء، وفي إيده ورقة.
ثم كتب عليها
لو بتحب نور… متفتحش الباب.
ياسين اتوتر.
ليه؟
الرجل الغريب قال
لأنهم مش جايين ياخدوا نور.
أمال جايين ليه؟
عشان ياخدوا صوفيا.
ياسين ضم ابنته لصدره.
لكن قبل ما يكمل، وصل صوت كمال من سماعة المراقبة
ياسين، اسمعني كويس. اللي هقوله دلوقتي ممكن يخلّيك تكرهني… بس لو عايز بنتك تعيش بأمان، لازم تعمل اللي هقوله.
ياسين صرخ
فين نور؟!
كمال بص ناحية المرأة الواقفة بجانبه.
نور كانت تبكي.
ثم قالت بصوت مسموع من السماعة
ياسين… أنا آسفة.
ياسين وقف مكانه.
آسفة على إيه؟
نور رفعت عينيها للكاميرا.
على إني خليتك تفتكر إني مت.
إنتِ كنتِ عايشة طول السنين دي؟!
نور أغمضت عينيها.
أيوه.
وسيبتيني؟
كنت بحميك.
من مين؟!
قبل أن تجيب، انقطع البث فجأة.
القاعة دخلت في صمت ثقيل.
ثم سمعوا صوت باب الدار الرئيسي وهو يُفتح.
أحد رجال الأمن جرى ناحية ياسين
أستاذ ياسين…
إيه؟
كمال مش موجود في الكاميرات.
إزاي؟
لأنه دخل من الباب الخلفي من دقيقتين.
ياسين استدار ناحية الباب.
لكن الباب اتفتح ببطء…
ودخل كمال وحده.
ملابسه عليها آثار تراب، ووجهه كان متوترًا.
ياسين تقدم ناحيته
نور فين؟
كمال لم يرد.
بسألك نور فين؟!
كمال بص لصوفيا، ثم قال
نور كانت هنا فعلًا…
وتوقف.
لكنها اختفت قبل ما أوصل لك.
ياسين قبض على يده
إنت بتكدب!
كمال هز رأسه.
لأ… لأن الشخص اللي أخدها دلوقتي هو نفس الشخص اللي كان بيدير كل حاجة من البداية.
ثم أخرج هاتفه.
وعرض صورة جديدة.
الصورة كانت لملف قديم جدًا.
وعلى الغلاف اسم واحد
نور السيوفي عملية الإخفاء.
لكن تحت الاسم مباشرة كانت توجد صورة لشخص آخر.
ياسين أول ما شاف الصورة…
اتراجع خطوة.
لأن الشخص الموجود في الصورة كان آخر شخص ممكن يتوقعه ياسين قرب من الهاتف ببطء، وعينه ثابتة على الصورة.
لثواني، مكنش قادر ينطق.
الشخص اللي في الصورة…
كان والد نور.
الرجل اللي مـ,ـات قبل حـ,ـادثة نور بسنين.
ياسين رفع عينه لكمال
إنت بتهزر؟ أبو نور مـ,ـات قبل الحـ,ـادث بسبع سنين!
كمال رد بصوت متعب
أنا عارف.
يبقى الصورة دي إيه؟
كمال قلب الهاتف وأظهر صورة تانية.
نفس الرجل…
لكن هذه المرة واقف أمام مبنى قديم، والصورة مؤرخة بعد وفـ,ـاة والد نور بثلاث سنوات.
ياسين همس
مستحيل…
كمال قال
نور اكتشفت إن أبوها كان عايش باسم تاني.
سكت ياسين لحظة، ثم قال
وليه كان مستخبي؟
كمال بص له مباشرة
عشان كان شاهد على حاجة خطيرة حصلت قبل ما تتجوز نور.
إيه الحاجة دي؟
كمال فتح الملف.
كان فيه عقد قديم، وصورة لشركة، وعدة تحويلات مالية.
ثم قال
قبل جوازك من نور، كان أبوها شريك في مشروع كبير.
إيه علاقة ده بيا؟
المشروع كان مرتبط بشركتك.
ياسين عقد حاجبيه.
أنا استلمت الشركة من أبويا بعد ما اتجوزت نور.
بالضبط.
كمال قرب منه وقال
والمشكلة إن أبوك ماكانش هو صاحب الشركة الحقيقي.
سادت لحظة صمت.
ياسين حس إن كل حاجة عرفها عن عيلته خلال الأربعين سنة الماضية بدأت تنهار.
يعني إيه؟
كمال أشار إلى آخر صفحة.
يعني الشركة اللي أنت بنيت إمبراطوريتك عليها… كان فيه حد تاني بيملك جزء كبير منها.
مين؟
كمال لم يجب.
وفجأة…
سمعوا صوت ضحكة طفولية من خلفهم.
الجميع التفت.
صوفيا كانت واقفة أمام صورة قديمة على الحائط.
وبإصبعها الصغيرة كانت تشير إلى رجل في الصورة.
أنا أعرف الراجل ده.
ياسين جرى ناحيتها.
تعرفيه؟
هزت رأسها.
أيوه… ده الراجل اللي كان بييجي عند ماما.
ياسين اتجمد.
كان بييجي عند ماما فين؟
صوفيا قالت
في البيت اللي كنا مستخبيين فيه.
وماما كانت بتقول عليه إيه؟
البنت فكرت قليلًا، ثم قالت
كانت بتقول عليه عمو سامح.
كمال شهق.
سامح؟!
ياسين التفت له
إنت تعرفه؟
كمال لم يرد.
ياسين أمسك بذراعه
كمال… إنت تعرف سامح؟!
كمال أخيرًا رفع عينه.
وقال جملة جعلت ياسين يشعر بالخطر الحقيقي لأول مرة
سامح هو الشخص اللي كنت بدور عليه من يوم الحادث… لأنه آخر شخص شاف نور قبل ما تختفي.
وفجأة رن هاتف كمال.