منوعات

عملت دــ,,ـــــادثة حكايات زهرة

عملت دــ,,ـــــادث مفاجئ ورجلي عجزت ، وقتها جوزي طلب يتجوز تاني وقالي بمنتهى العبث هنقسم المصاريف بعدل ربنا ، انتي واولادك التلاته هتعيشوا بمعاشك ، وانا وهيه بمرتبي!!

كنت قاعدة على سفرتي وحاطة قصادي طبق مش قادرة ألمسه، كان ده اول غدا أجمّع فيه اولادي الثلاثة بعد ما خرجت من دــ,,ـــــادث اليم خسرت فيه رجلي اليمين للأبد واصيبت بعجز كلي
مدحت جوزي ​كان قاعد معانا بيتغدى وحمحم كذا مره الصوت ده بالذات حفظته على مدار سنين زواجنا.. لما بيكون ناوي على مصيبة أو بيهرب من حاجه. بصيتله من غير ما أتكلم، فبدأ يتأتأ بتوتر :
ـ “أنا.. أنا هتجوز يا آمال..

مش عايزك تزعي يا حببتي، بس أنا راجل وليا متطلبات، ومحتاج واحدة تقف معايا كتف بكتف، وانتي دلوقتي بقيتي محتاجة اللي يخلي باله منك مش اللي تشيلي همّه.”
​ماتفاجأتتش، الصدمة مابتجيش غير من اللي نستغربه، لكن ده العادي بتاع مدحت
لما

عملت عملية الزايدة سابني وطلع شغل قال إيه مش هيقدر يلغي الميعاد.
ويوم ما أمي راحت للي خلقها وسابتلي الدنيا ضلمة، جالي صوته في التليفون بارد وهو ببيقول: “البقاء لله يا آمال، خليكي قوية عشان الولاد، مش هعرف أنزل عشان الطريق واقف”.
وحتى اليوم اللي بنتنا الكبيرة وقعت فيه في المدرسة ودمها غرق الأرض، نزلت أجرّي بيها على المستشفيات لوحدي وهو بيشتكي في التليفون إن الصوت مش واضح عنده!
​مسحت الدمعة اللي خانتني بسرعة قبل ما ولادي يشوفوها، وابتسمت بشرود وحزن مكتوم.. بصيت حوليا ولقيت نظرات العيال المستغربه وقولتله:

ـ “انت شايف إن ده كلام يتقال قدام الولاد وعلى الأكل؟”
​رد ببرود يحــ,,ـــــرق الدم:
ـ “الولاد مش صغيرين يا آمال.. وكمان لازم يعرفوا إن فيه واحدة جديدة هتدخل حياتهم، عشان يجهزوا نفسهم.”
​ تمالكت نفسي وقلت بجمود:
ـ “اعمل اللي انت عايزه.. بس مفيش حد هيدخل حياة ولادي غيري، انت وهيا ليكوا حياتكوا، وأنا وولادي لينا حياتنا.. ولو حابب نطلق يبقى أفضل كتير.”
​قطع كلامي بسرعة وهو بيمد إيده يلمس إيدي بتمثيل رخيص:
ـ “لا نطلق إيه! أعوذ بالله..

انتي مراتي وحبيبتي وأم ولادي، وعمر استغنائي عنك ما كان وارد.”
وباس دماغي بحركة درامية . ابتسمت بسخرية مريرة، وكملت محاولة الأكل وأنا بحاول أداري الوجع اللي شاقق صدـ,,ـــري.. بس طبعاً السينــ,,ـــــاريو المعفن مخلصش هنا.
​حمحم تاني وقال:
ـ “فيه حاجة كمان يا آمال.. بصراحة كده لازم نحسبها صح.”
رزعت المعلقة من إيدي بصوت عالي وقلت بخنقة:
ـ “خير؟”
​قال بثقة غريبة:
ـ “المصاريف.. انتي عارفة إن الشهر كان بيمشي بالعافية وعلى القد، ودلوقتي بعد الدــ,,ـــــادثة انتي مش هتقدري ترجعي شغلك.. بس طبعاً الحكومة هتعملِك معاش.”
​ضيقت عيني وقلت:

ـ “أكيد هعمل معاش، ده حقي بعد السنين دي كلها.”
​ابتسم وقال بانتصار كأنه حل الفزورة:
ـ “عظيم! هنقسم بقى بعدل ربنا عشان كل واحد يعرف اللي ليه واللي عليه.. انتي والأولاد تعيشوا بمعاشك، وأنا وهي نعيش بمرتبي، وكده الدنيا تمشي مظبوطة ومن غير مشاكل!”
​اتسمرت مكانـي.. وقلت بصدمة:
ـ “نعم….انت بتستعبط يا مدحت؟! معاشي اللي مش هيعدي ٥ آلاف جنيه هعيش بيه أنا وولادك الثلاثة، ومرتبك كله اللي فوق الـ ١٥ ألف تاخده انت وهي؟! هو ده العدل في نظرك؟!”
​رد بضيق وكأني أنا اللي بفتري عليه:
ـ “فيها إيه يا آمال؟

هي هتبقى عروسة جديدة ولها متطلبات وتجهيزات، انما انتي خلاص هتحتاجي إيه يعني؟ ده غير إنها مش بتشتغل!”
​ضحكت بمرارة وقلتله:
ـ “وعرفت منين إنها مش بتشتغل؟! انت لحقت تنقي وتعرف ظروفها؟! يعني أنا كنت بين الحياة والمــ,,ـــــوت في المستشفى ، وانت كنت نازل تجمّع في عروسة وتنقّي مواصفاتها?!”
​ارتبك وحاول يكذب:
ـ “مش كده.. بس أنا حاطط في دماغي من الأول إني لما أتجوز مش هاخد واحدة بتشتغل.”
​صرخت فيه بغضب ماقدرتش أكتمه أكتر من كده:
ـ “مش مشكلتي تتجوز مين ولا ظروفها إيه!

المهم متجيش على قُوت ولادك وعيشتم !”
​بدأت خناقة بصوت عالي، وهو بيبرر بوقاحة:
ـ “أنا قلت اللي عندي وده اللي أقدر عليه.. كفاية إني هسيبلكوا الشقة التمليك دي تعيشوا فيها، وهي هاخدلها أيجار.. احسبيها بالعقل شويه!”
​بصيت لرجلي العاجزة، وبصيت لوشه المتبجح.. لقيت إن كلامي معاه زي النقش في المية، مفيش فايدة ولا أمل في آدميته. استجمعت القوة اللي فاضلة فيا وقلت ببرود :
ـ “تمام.. اللي تشوفه.. أنا موافقة، ومبروك عليك.”
​زقيت الكرسي المتحرك ولفيت بيه عشان أمشي لأوضتي، وسمعته ورايا بيتنفس براحه ويقول بثقة:

ـ “كنت عارف إنك عاقلة ومفيش منك يا حبيبتي، وعقلك يوزن بلد.”
دخلت اوضتي وكنت سامعه بنتي الكبيرة، اللي عندها ١٣ سنة، بتقوله بدموع :
ـ “ليه كده يا بابا؟ ليه بتعمل في ماما كده؟”
​رد عليها بكل بساطة :
ـ “يا حبيبتي متزعليش.. هي بس زعلانة في الأول عشان الظروف، وبعدها بتهدى وتنسى.. ماهي ياما زعلت وعادي يعني.. كملي أكلك.”
قعدت في الضلمة، وابتسمت .
ـ “لا.. غلطان يا مدحت.

. المرادي غير كل مرة.. لاني مش هسكت زي كل مره .”
قعدت في الضلمة أسمع صدى صوته وهو بيردد نفس جملته المستفزة: “ماهي ياما زعلت وعادي يعني!”.. الجملة دي كانت زي المفتاح اللي فتح جويا طاقة جهنم. هو فاكر إن سكوتي طول السنين اللي فاتت كان ضعف، فاكر إن تنازلي عن حقوقي عشان المركب تمشي كان قلة حيلة. لكن المرادي غير.. المرادي أنا ما خسرتش رجلي بس، أنا خسرت آخر ذرة عذر كنت بشيلها له في قلبي.
​بصيت لرجلي الملفوفة، ولأول مرة ما حسيتش بالضعف..

حسيت بقسوة وغضب خلوني أتسند على إيدين الكرسي وأقعد على السر,,ـــــير وأنا بخطط لكل خطوة جاية. مدحت فاكر إن اللعبة خلصت لمجرد إني قلتله “أنا موافقة”.. ما يعرفش إن الموافقة دي كانت أول خطوة في حبل الإعدام اللي بلفه حوالين رقبة جشعه وبجاحته.
​تاني يوم الصبح، نزل مدحت شغله وهو رايح جاي قدام الأوضة بيصفّر وبيتأنق، كأنه عريس بجد ومش فارق معاه إن البيت مكسور. أول ما الباب اتقفل وراه، ناديت على جودي بنتي الكبيرة. جودي دخلت وعينيها ورمة من العياط، طبطبت عليها وقلتلها بصوت ثابت مش متعودة عليه:
ـ “جودي.. امسحي دموعك دي.

أمك رجالها اتعجزت اه، بس دماغها شغال، وحقنا مش هيضيع. طلعيلي أوراق الشقة وأوراق الجمعية اللي كنت داخلة فيها قبل الدــ,,ـــــادثة، وتلفوني القديم من الدرج.”
​جودي بصتلي باستغراب، بس تنفذت فوراً. أنا قبل الدــ,,ـــــادثة كنت بشتغل مدرسة رياضيات في مدرسة خاصة، ولأني شاطرة، كنت بدي دروس خصوصية وبشيل قرشين على جنب من غير ما مدحت يعرف، لأن مدحت من نوعية الرجالة اللي لو شموا خبر إن معاكي جنيه، يرفعوا إيديهم عن البيت فوراً. غير كدة، الشقة اللي إحنا قاعدين فيها دي مش تمليك منه زي ما بيتبجح ويقول..

الشقة دي كانت ورثي من أبويا، وهو كتبها باسمي قبل ما يمــ,,ـــــوت عشان يضمن مستقبلي، ومدحت أقنعني زمان نكتب بينّا عقد صوري إن الشقة مناصفة عشان “البرستيج” قدام أهله، والعقد ده أصلاً ما تسجلش ولا ليه أي لازمة قانونية!
​مسكت التليفون وكلمت محامي زمايلي في المدرسة كانوا بيتعاملوا معاه، أستاذ هاني.. راجل شديد وفاهم القانون كويس. حكيتله كل حاجة بالتفصيل، من أول الدــ,,ـــــادثة، لحد تقسيمت مدحت العبقرية للمصاريف، وعقد الشقة الصوري.
​أستاذ هاني ضحك بمرارة وقال لي:
ـ “يا مدام آمال، جوزك ده عايش في كوكب تاني! القانون ومش بس القانون.. الشرع والعرف معاه في داهية.

الشقة ملكك خالص، والمعاش ده حقك الشخصي لتعويض إصابتك، ونفقته على أولاده وزوجته واجبة عليه بالسيف والقانون، وملهاش دعوة انتي معاكي كام.. اتركيل الموضوع ده تماماً، بس عايزك تنفذي اللي هقولك عليه بالحرف.”
​خطتي كانت بسيطة: “استدراج الغبي لما يقع في الفخ”.
​على مدار أسبوعين، كنت بتعامل مع مدحت بكل برود وذكاء. لما كان ييجي يتكلم عن العروسة الجديدة -اللي اكتشفت إنها واحدة مطلقّة وقرايبة من بعيد ومفهمها إن عنده شقة ملك ومقتدر- كنت ببتسم وأقوله: “ربنا يسعدك يا مدحت، أهم حاجة راحتك”. كان بيتنفخ غرور ويحس إنه سيطر على الوضع تماماً.

​في الأسبوع الثالث، مدحت جه ووشه أصفر ومشدود.. اتاري المحروسة الجديدة طالبه شبكة ومؤخر وأجار شقة مفروشة في مكان محترم، والمرتب اللي كان فاكره هيعيّشه ملك مش مكفي أول شهريتين!
دخل عليا الأوضة وقال بلهجة فيها رجاء خفي متغطي بوقاحة:
ـ “آمال.. بصراحة كده العروسة طالبه مصاريف كتير في الأول، وأنا محتاج سلفة من المعاش بتاعك لما ينزل، أو نبيع حتة من ذهبك وهرجعهم أول ما الظروف تظبط.”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى